اخر الأخبار

أقصوصة قرقاوي

    قصة
    المؤلف : منير الجابري
    في تلك القرية المنقوشة على أطراف الغابة الحالمة ٠ تنحدر منها الأودية مملوءة سحرا ٠ فتسمع خرير السواقي وحفيف الأغصان ٠ بين هاته الربوع 
    ولد كمال٠ كان طفلا دوما نحيلا يميل وجهه إلى السمرة٠ شعره أسود يتساقط متهدلا فوق عينيه ٠اللتين كانتا تنظران إلى هذا العالم ٠ وكأنهما ينظران إلى أفق لا نهائ ٠ تعرض إلى حادث شوه وجهه ، نتيجة حروق أصيب بها ٠ بقيت أثارها ٠
    إنفصلت أمه عن والده ٠ فبقي يعيش مع جدته ٠في الشتاء يجلس خلف المدفأة ويبكي من شدة البرد ٠ وأحيانا أخري بسبب الجوع ٠لم يكن بمقدور جدته ، أن تضع شيئا في الآنية لتشبع جوعه ٠وفي الصيف كان يسير مرتديا شيئا أقرب ما يكون إلى السروال ٠ أما جدته المسكينة ٠ كانت تعيش حياتها يوما بيوم ٠لأن المرض نهش جسدها ٠ أحست بشبح الموت يلاحقها ٠ حينها بدأت تفكر في وضع حفيدها ٠ حملته إلى أقرب الجيران إلى قلبها ٠إنها عائلة بلقاسم وأوصت زوجته أن تعامله معاملة حسنة ٠ظل كمال يسأل عنها كل يوم ٠إلى فارقت الحياة ٠ رغم صغر سنه ٠ سخر منه أبناء بلقاسم ٠ لأن ملامح وجهه بدت لهم غير عادية ٠ فلقبوه بآسم قرقاوي ٠مرت الأشهر مملة تنذر بقادم مجهول ٠تطلع قرقاوي إلى الإلتحاق بالمدرسة لكنه لم يفلح ٠ 
    في العاشرة من عمره بدأ يخرج للعمل ٠ كراع أغنام لدي بلقاسم ٠ 
    كان يحمل أكياسا بلاستيكية ليجمع فيها ثمار التوت من الغابة 
    حتي يبيعها ٠ أحيانا يغمره إحساس ، فيتأثر له أيما تأثر ٠ 
    شيء قديم ، جديد ٠كان ينمو في مخيلته ، في أعماقه ٠ 
    كان يؤمن بأن ثمة شيء يعزف !! ما نوع هذا العزف ؟!
    لم يكن يعرف ٠ ربما خرير المياه ! أو تشابك الأشجار ٠٠٠
    الغابة بأسرها تعزف ٠
    بدأ الليل يغمر الوجود بأمواجه ٠ جمع قرقاوي خرفانه عائدا الى القرية ٠ وأثناء عودته كان يصغي إلى جميع الأصوات التي تصدرها العصافير أثناء عودتها إلى أوكارها ٠كأنها تعزف لحنا عذبا ٠
    نام ليلته على غير عادته ٠ وروده حلم جميل ٠ وفي الصباح عند ظهور خيوط الشمس الأولي ٠آتجه إلى الغابة مع خرفانه٠
    بدأ يبحث عن بقايا جذوع الأشجار ، ليصقلها في شكل آلة موسيقية ٠ أمضي أشهرا وهو يبدع في صنع آلته ٠
    مرت السنة تلو السنة ٠أصبح قرقاوي شابا يافعا ٠ولم يبتعد لحظة عن عشقه لآلته ٠وفي ليلة من ليالي الصيف الصاخبة ٠
    لم يكن ثمة أحدا في البيت ٠ لأن عائلة بلقاسم تحولت إلى زفاف أحد الجيران ٠ دخل إلى المطبخ وبقي يصغي إلى نقرات عوده ٠دون إزعاج ٠ فجاة سمع صوتا ينادي 
    - أسرع يا قرقاوي لقد ضربوا أخي 
    ترك آلته وخرج مسرعا ؛ إلى مكان الخصومة وجد أحمد إبن بلقاسم ملقا على الأرض ووجهه ملطخا بالدماء والتراب ٠
    وبدون تفكير ضرب قرقاوي الشاب الذي إعتدي على أحمد 
    أفقده وعيه ٠ نقل على الفور إلى المستشفي ٠فرفعت عائلة الشاب الأمر إلى القضاء ٠ حكم على قرقاوي سنة سجنا من أجل الإعتداء بالعنف ٠ مضي ذلك اليوم ثقيلا وآنتهي بدخول قرقاوي إلى السجن ٠مرت عليه السعات الأولى كل دقيقة تمثل أسبوع ٠ بقي صامتا ٠٠٠٠ فهو كثيرا ما كان يحلم أن يصبح عازفا مشهورا ليصوغ من نفسه قصة جميلة ٠
    منير صالح الجابري -تونس

    طوال الأعوام الثمانية عشر المنقضية لم يغادر القرية ٠
    إلا أن الأقدار شاءت أن تكون رحلته الأولى نحو السجن ٠
    إستلقي على فراشه ونظر إلى الساعة ، كانت تشير إلى العاشرة ليلا ٠نزلت الدموع على وجنتيه لأنه فقد شيء ثمين إنها آلته الموسيقية ٠سرعان ما إستسلم إلى النوم ٠وفي صباح الغد تحدث جلبة قوية جعلته يفتح عيناه ويقاوم النوم ٠
    مر أسبوع تلو أسبوع ولم يزره أحدا أو حتي يسال عنه ٠ خرج النزلاء إلى ساحة السجن فتبعهم قرقاوي ٠٠٠
    بخطي متباطئة مما جلب إنتباه أحد زملائه ٠ إقترب منه 
    وتجاذب معه أطراف الحديث فسأله عن آضطرابه الدائم ٠
    - لقد مر علي وقتا طويلا ولم يسال احدا عني ؟!!
    - هون عليك أخي لا تحمل هما ، من هاته اللحظة انت شريكي في كل شيء ٠
    - ماهو أسمك 
    - يلقبونني بقرقاوي لأن ملامح وجهي مشوهة 
    - لا تغضب أنا يلقبونني بمهنتي ماسح الأحذية 
    - احكي لي عن مهنتك 
    - بكل سرور أنا أعيش في عائلة فقيرة ؛ إخوتي يدرسون ٠
    غادرت مقاعد الدراسة حتي أساعد ابي ٠ بحثت طويلا عن عمل دون جدوي ٠جلست في إحدي الأماسي في مقهي وطلبت شايا ٠ لفت إنتباهي رجلا في الخمسين من عمره ٠
    يفترش الإسفلت ليمسح حذاء أحد المارة ٠ راقبته بكل دقة 
    يمسك الفرشاة بأنامله ويمررها على الحذاء ٠ يزيل عنه الغبار إشتريت لوازم المهنة وعملت لأنها تتماشي مع مؤهلاتي الجسدية ٠أتجول في شوارع المدينة وأزيل الغبار عن الاحذية أعشق الغناء والمسرح ٠قاطعه قرقاوي - ماهي أسباب دخولك السجن ؟!
    - في أحد أيام شهر جانفي الماضي ٠كنت أتجول كعادتي للبحث عن زبون ٠ترامت الى مسامعي أصوات الهتاف وهو يقترب ٠وقفت وبقيت أرقب المشهد ٠ مجموعة من الشباب ترفع شعارات متنوعة وأعلام الوانها مختلفة ٠
    دعاني الفضول إلى السير معهم لأكثر من نصف ساعة ٠
    وبسرعة البرق بدأت المظاهرة تهتز ٠ إلتفت إلى الوراء في إضطراب ،فسمعت صوت إهتز له قلبي ٠ أنصت بآنتباه !!
    لقد كانت فتاة تصرخ تحت ضربات عصا البوليس ٠ علا الهتاف وآختلط بأصوات الغضب ٠ قبضت الشرطة على الشباب ودفعت انا الى الصعود معهم ٠ حكم علي بالسجن لمدة ستة أشهر مر نصفها ٠
    - يا ماسح الأحذية أنا أعشق العزف على العود !!!

    - سأعلمك أصول العزف وعندما نغادر السجن نكون غرقة للموسيقي ٠ونعمل جاهدين لنغير حياتنا إلى الأفضل ٠٠٠٠

    واتساب

    مقالات متعلقة

    إرسال تعليق